سقم الفكر يُزيِّن هدر الدم
بكر عويضه
الخميس23مايو2013
فيما أدون نص أمس (أدناه) كان جيمس أوبريان مشتبكا، كعادته، مع عدد من المُهاتفين من جمهوره، والمنتمين لأفكار عدة، وأديان مختلفة. موضوع العِراك الفِكري، المنقول على الأثير من مقر راديو إل بي سي اللندني، دار حول الجان وهل أن معشر الجِن يمارسون من المهام ما يخص هموم الإنس، كمِثل شِفاء الإنسان من بعض الأدواء، من دون حاجته لتناول أي دواء، وكان السمع مني يتصل بتحاور المشتبكين، إنما من دون إنصات، إذ انشغل اهتمامي بما أدوِّن، لكن إذا حمي إيقاع خلاف الرأي، ثم استعر الجدل، وراح مستر أوبريان يصيح فينهر من يحاول الإقناع أن ذاك الشِفاء احتمال ممكن، فيصدَع جيمس بسؤال المستمع: (لكن، هل رأيت الطبيب؟ ويرد ذلك المقتنع بالدكتور الجِني: كلا، لست احتاج أي طبيب معالج) كنت ألمح ظل ابتسامتي، فيما الأصابع تنقر على مفاتح كومبيوتري، إذ أتذكر القول الشائع: (تستطيع جر الحصان إلى النهر، لكن ليس بالوسع إجباره على الشرب) ثم أتخيل أنني لو هاتفت النجم الإذاعي لذكرته، على الهواء مباشرة، بتلك النصيحة القيّمة.
أنتهيت من نصي، ونشرته، فأصبت بعضاً من زادي، ثم إني أردت نصيباً من راحة، فلم أسمع عن جريمة أمس النكراء بضاحية وولتش، جنوب شرق لندن، إلا مع حلول المساء. على الفور قفزت إلى الذهن تلك المجادلة الصباحية الساخنة التي خاض غمارها جيمس أوبريان، مع بعض المعتقدين بقدرات الجن الخارقة. والحق أنه أبلى خلالها بلاءً حسنا، إذ ظَلَّ يدافع عن العقل في مواجهة من يدفع بما ليس يقبله منطق، والغريب، بل العجيب، أن بينهم من كان ذا علم وموقع عمل مهم، تذكرت ذلك فيما رحت أتابع الخبر الفظيع، ليس فقط من حيث جرأة الذبح والقتل في وضح النهار، إنما أكثر فظاعة أن يحدث جُرم سفك دم البشر وهدر روح الانسان مقترنا بتكبير إسم الإله، ربِّ الناس أجمعين. ما الذي يجمع بين الجرم البشع في وولتش وبين ما كنت أسمع من جدل علاقة الجِن والإنس؟
يجمعهما سَقم التفكير، الذي هو من فعل الشياطين، أو من يسمونهم في بعض الحالات (ديمونز)، وهؤلاء تتعدد مجالات إغوائهم، وتتباين حقول نشاطاتهم، إنما الأخطر بينها ما مسَ الدين، وتلبّس صِفة من له المثل الأعلى أو ادعى اسمه. أولئك هم الذين بفكر هدام يحضون على سفك الدم، من أية ملة أو دين كانوا، هم يتحملون مسؤولية تزيين هدر روح الإنسان، وجرم القتل، في كل زمان ومكان.
***
خبر يذكّر بحلم
كنت أنوي العودة إلى ما بدأت بنص أمس، إنما الخبر يتقدم. مع ذلك، لا يخلو السياق من شأن خاص، خلاصته أنني كلما عشت عبر متابعة الأخبار حدثاً جديدا يخص واقع المسلمين في بريطانيا، أو أوروبا، أميركا، وبقية المهاجر، عادت بي الذكرى لحلم راودني منذ خمسة عشر عاما (1998) عندما نويت الانتقال بتجربتي الصحافية من العربية إلى الإنكليزية، وإصدار أسبوعية تابلويد تُعنى بالشأن الإسلامي في العالم الغربي عموماً، تتصدى لأفكار التطرف، وتكون منبر تقريب بين وجهات النظر. أقول نويت، لكنني قبلت بالتأجيل، ثم الإرجاء، فالانتظار، أي أنني زمنذاك توفر لي عامل النيّة، لكنني ما عقدتُ العزم، ولو فعلت لربما اختلف الحال. مع ذلك، الأفضل هو القول أنني شئت، لكن الأقدار لم تشأ. الحمد لله على كل حال.
***

بيننا خائن .. أنا أو أنت؟
بكر عويضه
الأربعاء22مايو2013
خمسة عشر يوما، منذ فوجئت بِحجم الألم الذي يعصِف به إزاء تصرف فاق تصوري، أعترف، من طرف آخر ضده. وإذ رحتُ أخفف عنه، فأقول من الكُلِم ما علّه يجسر هوّة، إذا بمضيفي يهدر بما بدا لي أهْوَلَ مما يُصَدَّق قلبي أو العقل مني. قال ما معناه أن من أسعى لأدفع عنه، ما سلمتُ أنا نفسي من أذى دسِه.
مذ تلك الليلة، لم يبرحني ألم مفاجأة تحدثت عنها باختصار رغم ما يؤلمني، إذ ألتزم بوعد أن أصمت عما سمعت، وقد فعلت. بيد أن ثمة ما يحصل أحياناً من دون قصد، كما مساء أمس، إذ عدت إلى الكتاب القيّم "علامات الدرب" للأستاذ سليمان الفرزلي فطلعت لي الصفحة 538 فأعدت قراءة ما كنت قبل أكثر من شهر قرأت، وبالقلم علّمت بعض أسطر، بينها إشارة الفرزلي (هو إذ ذاك رئيس تحرير مجلة "الصياد") إلى أمسية للشاعر محمد الفيتوري حضرها خريف 1982 في بلدة (الذوق بالقرب من جونية نظمتها له الشاعرة والفنانة الكسروانية المعروفة باسمة بطولي) ثم يبلغنا الكاتب: (وفي تلك الأمسية الشعرية ألقى الفيتوري مقاطع من قصيدة جاء فيها البيت التالي: "بيننا خائن يا رفيق: أنا أو أنت .. فلنقترع قبل بدء الطريق"... وحفظت هذا البيت من شعر الفيتوري واستعرته في مقال لي في مجلة "الصياد" آنذاك حول الانقسامات العقائدية والحزبية في الصف الواحد الى درجة التخوين حتى لو كانت تلك الحركات مؤلفة من رفيقين فقط). الطريف، كما يقول صاحب "علامات الدرب"، أن (بعض الخبثاء من الزملاء) ذهب الى استغلال تضمين المقال ذلك البيت من شعر الفيتوري للدس بين الفرزلي وإسم معروف في عالم الصحافة وكان بين كبار العاملين بالمؤسسة ذاتها.
هنا أتوقف، ليس فقط من باب التشويق، إذ أعود للحديث فأكشف بقية الحكاية عند تحديث الصفحة الأولى من "داربكر"، وإنما لأنني لحظت أنني وضعت ثلاث دوائر أحاطت بقول الكاتب: (الخبثاء) (من) (الزملاء) ولم أكتب على هامش الصفحة أي حرف، إنما أقول الآن على صفحة داري، وأسأل: أيبقى للزمالة أي معنى مع القبول بالخبث، أو التخابث؟ لست أدري، أترك لكم ولكن الإجابة.